محمد حسن بن معصوم القزويني

110

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء

على أطرافه بقدر ما يسّر اللّه لهم من الأنبياء والأولياء والعلماء على اختلاف طبقاتهم بحسب اختلاف قوّتهم ، وما قدّر اللّه لهم من السعادة الأزليّة ، وهو العلم المطلوب بالذات ، وبه يتوصّل إلى أقصى السعادات ، وينال أشرف اللذّات ، وهو العلم المكنون الذي لا يسطر في الكتب العلميّة ، وإنما يعين عليه أوّلا التعلّم ومشاهدة علماء الآخرة والاعتبار بأحوالهم وأطوارهم بعد معرفتهم باماراتهم وآثارهم وآخرا المجاهدة وتصفية القلب وتفريغه عن علائق الدنيا حتى يتّضح المراد بعد السعي والاجتهاد بقدر القابليّة والاستعداد ، وعلم الأخلاق الذي به يسلك إلى العلم الأوّل ، كما أشرنا إليه . ومنها : ما لا يحمد منه إلّا مقدار مخصوص ، كالعلوم التي أشرنا إليه في فروض الكفايات ، فإنّ في كلّ منها اقتصارا واقتصادا واستقصاء . فكن يا حبيبي - وفّقك اللّه وإيّاي - إمّا مشغولا بنفسك ، أو متفرّغا بعد الفراغ منها إلى غيرك ، وإيّاك أن تشتغل بما يصلح غيرك قبل أن اصلاح نفسك ، فإن كنت الأوّل فلا تشتغل منه إلّا بما هو فرض عليك بحسب ما يقتضيه حالك من العبادات والمعاملات التي تحتاج إليها ولو تقليدا لمجتهد حيّ ، ثم اشتغل بالأهمّ الذي هو علم صفات القلب ومهلكاتها ومنجياتها ، فإنّ إهمالها مع الاشتغال بالأعمال الظاهرة يشبه الاشتغال بطلاء ظاهر البدن عند التأذّي بالجرب والدماميل ، والتهاون بإخراج المادّة بالفصد والحجامة والاسهال ، فلا يزال يتعب في الطلاء ويزيد في المواد والأمراض ، ولا تنظر إلى سهولة أعمال الجوارح وصعوبة أعمال القلب ، وعلّ همّتك بتحصيل ما يثمر النجاة في الآخرة من العلم بعللك الباطنة وأسبابها وعلاجها حتّى يوصلك إلى المقام الأعلى ، فإنّ الأرض إذا نقيت من الكثافات نبت فيها أصناف الرياحين . وما لم تفرغ عن ذلك لا تشتغل بفروض الكفايات سيّما وفي الخلق من قد قام بها فما أشدّ حماقة من دخلت الأفاعي والعقارب داخل ثيابه وهمّت بقتله وهو يذبّ الذباب عن من لا ينجيه ولا يغنيه .